ابن الجوزي

193

بستان الواعظين ورياض السامعين

إن كان يصلح للموت والقبر فتمادى عليه ، وإن كان لا يصح لهذين فتب إلى اللّه تعالى منها وأرجع إلى ما يصلح . وأنشدوا : كم تناسى القبور يا مغرور * حفر ما بها لعاص سرور وتعامى عنها وأنت تراها * ورحاها على الأنام تدور فاتق اللّه حق تقواه واحذر * كلّ هول يخافه المقبور ودع اللهو والبطالة واعمل * للتي عاجلا إليها تصير تلك دار البقاء فكلّ تقي * في رباها مكرّم محبور ولعاص مصر إن لم تنله * رحمة اللّه مبعد مثبور [ 318 ] دعاء لأهل القبور كان بعض الخائفين إذا خرج إلى القبور لا ترقأ دمعته ولا يأكل ولا يشرب ثلاثة أيام ويقول : ترى يا أحبائي ما لقيتم في بيوت الحسرات ، آنس اللّه غربتكم ، ورحم اللّه وحشتكم وبرد اللّه مضاجعكم ، وهوّن ما قدّر عليكم مولاكم إنه سميع قريب نعم المولى ونعم النصير . ثم يأخذ في البكاء والنحيب . فاللّه اللّه أبكوا قبل أيام البكاء ، واندبوا قبل يوم الأسى . وأنشدوا : لاه بدنياه والأيام تنعاه * والقبر غايته واللحد مأواه يلهو ولو كان يدري ما أعدّ له * إذا لأحزنه ما كان ألهاه أو ما جنت يده لو قد تعرّفه * ويلاه مما جنت كفّاه ويلاه اعلموا عباد اللّه أن القبور على الأموات توابيت مقفولة ، والأعمال في أعناقهم قلائد مجعولة وأرواحهم بالغداة والعشي إلى الجنة أو النار محمولة وأنشدوا : يا أيها الرجل المزخرف قبره * ولعلّه في جوفه مغلول يا أيها الرجل المقيم بمنزل * فيه الحوادث ما أقام نزول ألّا يغرك ملكه ونعيمه * فالملك يفنى والنعيم يزول وإذا حملت إلى القبور جنازة * فاعلم بأنك بعدها محمول يا إخواننا مضى الأخوان ونحن على آثارهم فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، قد عميت أبصارنا عن حقائق الأمور ، وغفلنا عن الحمام ونسينا القبور .